الشيخ محمد هادي معرفة

117

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال : إنّه أسلم . « 1 » هذا وقد عاش ورقة إلى زمن بعد البعثة ، ذكر صاحب « الإمتاع » : أنّ ورقة بن نوفل مات في السنة الرابعة من المبعث . قال برهان الدين الحلبي : ويوافقه ما جاء في سيرة ابن إسحاق . وكذا ما عن كتاب الخميس . « 2 » فقد روي أنّه مرّ ببلال وهو يعذَّب « 3 » قال ابن‌حجر : وهذا يدلّ على أنّه عاش حتى ظهرت دعوته صلى الله عليه وآله ودعا بلالًا فأسلم . إذن فَلِمَ بقي على كفره ولم يُسلم كما أسلم الآخرون ؟ ولِمَ لم ينصره كما نصره الآخرون ؟ وقد خالف عهده كما جاء في الأُسطورة . الوحي لا يحتمل التباسا هذا هو الموضوع الثاني - فيما أشرنا سابقا - النبيّ صلى الله عليه وآله لايخطأ فيما يوحى إليه ، ولايلتبس عليه الأمر قط . النبيّ كان عندما يوحى إليه ، يكشف عن عينه الغطاء ، فيرى الواقعيّة فيما يتصل بجانب روحه الملكوتي ، منقطعا عن صوارف المادّة ، إنّه صلى الله عليه وآله حينذاك يلمس تجلّيات وإشراقات نوريّة تغشاه من عالم الملكوت ، لينصرف بكلّيته إلى لقاء روح اللّه وتلقّي كلماته ، فيرى حقيقة الحقّ النازل عليه بشعور واع وبصيرة نافذة ، كمن يرى الشمس في وضح النهار ، لا يحتمل خطأ في إبصاره ولا التباسا فيما يعيه . وهكذا الوحي إذ لم يكن فكرة نابعة من داخل الضمير ، ليحتمل الخطأ في ترتيب مقدّمات استنتاجها . أو إبصارا من بعيد ليتحمّل التباسا في الانطباق . « 4 » بل هي مشاهدة

--> ( 1 ) - الإصابة ، ج 3 ، ص 633 . ( 2 ) - السيرة الحلبية ، ج 1 ، ص 250 . ( 3 ) - الإصابة ، ج 3 ، ص 634 . ( 4 ) - الخطأ إنّما يحتمل في مجالين : إمّا في مجال التفكير أو في مجال الإبصار الخارجي - مثلًا - وذلك لأنّ للاستنتاج الفكري شرائط وأحكاما ، إذا ما أهملها المتفكّر فسوف يقع في خطأ التفكير ، وكذلك إبصار العين الخارجيّة إذا كان من بعيد ، فربّما يقع الخطأ فيه من ناحية تطبيق ما عند النفس من مرتكزات ومعلومات على خصوصيّات يراه موجودة في العين الخارجيّة ، فالخطأ إنّما هو في هذا التطبيق النفسي ، لا في العين المشاهدة . لأنّ الإبصار عبارة عن انطباع صورة الخارج - وهي واقعيّة لاتتغيّر - في الشبيكة العصبيّة خلف بؤرة العين . وهذه ظاهرة طبيعيّة تتحقّق ذاتيا إذا ماتحققت شرائطها . نعم كانت النفس هي التي تحكم على ماشاهدته العين بأنّه كذا وكذا ، والخطأ إنّما هو في هذا الحكم ، لا في ذاك الإبصار الطبيعي . إذن فبما أنّ الوحي خارج عن الأمرين ، لا تفكير ولا إبصار من بعيد - مثلًا - وإنّما هو لمس حقيقة حاضرة فلا موقع للخطأ فيه أصلًا .